السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

38

مختصر الميزان في تفسير القرآن

ولما ذكر من النكتة عطف قوله : « وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ » وهو فعل مضارع مسوق للدلالة على الاستمرار على قوله : « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ » وهو فعل ماض لكنه مستمر المعنى ، وكذا قوله : « وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ » مفيد للثبوت والدوام والاستمرار باستمرار وجود الإنسان . وللآية اتصال بما تقدم من الاحتجاج على علمه وقدرته تعالى في الخلق الأول بقوله : « أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ » واتصال أيضا بقوله تعالى في الآية السابقة : « بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ » فهي في سياق يذكر قدرته على الإنسان بخلقه ، وعلمه به بلا واسطة وبواسطة الملائكة الحفظة الكتبة . فقوله : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ - واللام للقسم - دالّ على القدرة عليه بإثبات الخلق . وقوله : وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ في ذكر أخفى أصناف العلم وهو العلم بالخطور النفساني الخفي إشارة إلى استيعاب العلم له كأنه قيل : ونعلم ظاهره وباطنه حتى ما توسوس به نفسه وما توسوس به الشبهة في أمر المعاد : كيف يبعث الإنسان وقد صار بعد الموت ترابا متلاشي الأجزاء غير متميز بعضها من بعض . وقد بان أن « ما » في « ما تُوَسْوِسُ بِهِ » موصولة وضمير « بِهِ » عائد اليه والباء للآلة أو للسببية ، ونسب الوسوسة إلى النفس دون الشيطان وإن كانت منسوبة اليه أيضا لأن الكلام في إحاطة العلم بالإنسان حتى بما في زوايا نفسه من هاجس ووسوسة . وقوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ الوريد عرق متفرق في البدن فيه مجاري الدم ، وقيل : هو العرق الذي في الحلق ، وكيف كان فتسميته حبلا لتشبيهه به ، وإضافة حبل الوريد بيانية . والمعنى : نحن أقرب إلى الإنسان من حبل وريده المخالط لأعضائه المستقر في داخل بدنه